logo
اقسام المركز
الصفحة الرئيسية عن المركز المنتدى التربوي الامانة العامة المؤتمرات و ورش العمل معلومات الاتصال  

مناهج التعليم في السودان

مناهج التعليم في السودان
بين تعقيدات الماضي وتحديات المستقبل

إعداد : د. عبد الغني إبراهيم محمد
نائب مدير المركز القومي للمناهج والبحث التربوي

مقدمة :
بداية التعليم في السودان يكتنفها بعض الغموض ، فأدبيات التربية السودانية تشير إلى أن التعليم بدأ بالخلوة، أي بعد دخول الإسلام للسودان ، ولكن هناك دلائل قوية تشير إلى أن التعليم في السودان بدأ قبل ذلك بكثير فهناك وثائق تاريخية تؤكد أن السودانيين عرفوا الكتابة منذ زمن بعيد . وانهم عرفوا اللغة المصرية الفرعونية واتقنوها قراءة وكتابة في عهد ( نبته / مروي ) (750 ق م / 350 م). ولم يكتفوا بتقليد الكتابة واللغة المصرية القديمة بل ابتكروا كتابة خاصة بهم عرفت بالكتابة المروية (1، 13ـ23)(1) ومن المؤسف حقاً أن الفهم الكامل لهذه اللغة ما زال متعثراً ، وعندما تفك رموز هذه اللغة فإن ذلك سيساعد كثيراً على فهم تاريخ السودان القديم ومعرفة البدايات الحقيقية للتعليم في السودان .
والخلوة التي يعتقد الكثيرون بأنها كانت البداية الحقيقية للتعليم في السودان هي مؤسسة تربوية تركز على تعليم القرآن والسنة والفقه، ويشرف على التدريس فيها معلم واحد هو الفكي أو الشيخ الذي كان له نفوذ كبير في القرية التي كانت تخدمها الخلوة ، فهو معلم الصغار والكبار ، وهو إمام المسجد ، والمأذون والمفتي وصاحب الكلمة المسموعة في القرية ، وهو الذي يلجأ إليه أهل القرية لحل مشاكلهم .(2، 239ـ262) .
والخلوة مكان متواضع ، يجلس التلاميذ فيها على الأرض، ويستخدمون اللوح المصنوع من الخشب وسيلة تعليمية رئيسة ، تراعى طرق التدريس فيها الفروق الفردية بين التلاميذ، ويعلم فيها الكبير الصغير، وتستخدم فيها أساليب صارمة في العقاب.
بالإضافة لذلك فالخلوة هي مكان للضيافة والاحتفالات بالمناسبات الدينية ، وملتقى أسبوعي لذكر الله . وكانت الخلوة في شكلها هذا متوافقة ومناسبة مع احتياجات المجتمع المتواضعة في ذلك الزمان .

تطور المناهج في عهد الاستعمار :
عندما جاء الاستعمار كانت له أهدافه الخاصة التي تتمثل في اخذ خيرات البلاد واستغلال مواردها ، وسلب موادها الخام ، وليس من أهدافه تعليم المواطنين، فالتعليم عنده ليس غاية وإنما وسيلة لتحقيق أهدافه . وبذلك حول المستعمر التعليم وتلقي العلم من غاية ، في حد ذاتها إلى وسيلة ، فربط التعليم بالوظيفة وجعل المناهج التعليمية تقليداً أعمى لمناهج الغرب . فكان التعليم مستورداً لم يراع تراث الأمة وانتمائها الحضاري .
وهكذا أراد الاستعمار أن تكون مدارسنا وما يتلقاه الطالب فيها من تعليم صورة ممسوخة لمدرسة مستوردة تفصل بين الدين والدنيا ، وبين الحياة والأخرة . فركزت المناهج على علوم الدنيا، وتعهدها المستعمر بالرعاية وأهملت علوم الدين وأفرد لها حيز ضيق ومعلم لا يرقى وظيفياً لمستوى معلمي المواد الأخرى .
وجاءت محتويات المناهج استمراراً للفكر المحافظ الذي جعل الهدف الرئيس للتربية هو تزويد المتعلم بمجموعة من المعارف والمعلومات النظرية . أما الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية والسياسية فقد نأت المناهج عن الولوج إليها أو التحدث عنها مبقية لها في صورها وأشكالها المتوارثة ، وعمدت على نقلها للأجيال المتعاقبة دون تغيير أو تبديل ( 3-5) .
فكان تحصيل العلم هدفه الحصول على وظيفة مرموقة في دواوين الدولة، والحصول عليه امتياز يحيط صاحبه بهالة خاصة ، ويكسبه التقدير والاحترام ممن حوله ، وكان محصلة ذلك استخفافاً بالمهارات العملية ، واحتقاراً للعمل اليدوي ، مما كان له آثار سالبة على مسيرة التعليم الفني في البلاد .
وفي ظل الحكم الإنجليزي بدأت أول تجربة جادة لإعداد مناهج خاصة بالمدارس السودانية في عام 1936م ، وذلك بعد عامين من إنشاء معهد التربية بخت الرضا ، الذي كان الغرض الأساسي من إنشائه هو تدريب المعلمين للمدارس الأولية وليس إعداد المناهج ، ولكن القائمين على أمره رأوا أنه من الحكمة أن يربطوا بين تدريب المعلم وإعداد المنهج الذي سيقوم المعلم بتنفيذه في المدارس . وهكذا تولت بخت الرضا تطوير المناهج في منتصف الثلاثينيّات من القرن العشرين .
اتصل العمل خلال حقبة طويلة من الزمن امتدت لأربعة عشر عاماً في تطوير مناهج المرحلة الأولية ، ثم مناهج المرحلة المتوسطة فاكتسب المعهد خبرات واسعة وتراثاً تربوياً ثراً في مجال تطوير المناهج وإعداد الكتب الدراسية والمراشد .
وتنوعت أساليب العمل في إعداد المناهج وتطويرها وفقاً لخبرات كل جيل من العاملين في هذا المجال ، وكان للمدارس التربوية المختلفة والأفكار التربوية السائدة والخلفيات العلمية للأجيال المتعاقبة ـ أثر واضح في تباين أساليب وطرق تطوير المناهج وإعداد البرامج الدراسية .
وخلال الفترة التي سبقت استقلال السودان تولى الإشراف على إعداد المناهج نخبة من التربويين الأجانب المتحمسين لإحداث تغيير يتماشى مع ما يعتقدون من أفكار ؛ لذلك فإن الأسلوب الذي اتبع في بناء المناهج تأثر بمدرسة تربوية آمن بها هؤلاء وحاولوا تحويرها وتطبيقها على الحقل التربوي في السودان الذي ما زال بكراً .
هذه المدرسة ـ وهي مدرسة جون ديوى ـ ترفض التحديد المسبق للأهداف وبالتالي تعتمد على رصد المواقف التربوية التي تراعى ميول الأطفال وحاجاتهم الآنية لبناء المعلومة والمفهوم وتنمية المهارة في جمع المعلومات وتحليلها (6) .
وتأسيساً على ذلك فإن المنهج الذي أعد خلال الفترة التي سبقت استقلال السودان - لم يعتمد على وضع أهداف تربوية حددت مسبقاً ، وإنما اعتمد على اختيار مواقف تعليمية بنيت على نشاطات تتوافق مع ميول التلاميذ وقدراتهم ، وتتجمع هذه الأنشطة لتكون وحدة دراسية ،ومن ثم تجمع الوحدات لتكون مقررّاً دراسيّاً لصف معين .
لم تكن هناك استراتيجية تربوية واضحة يتم على هديها تطوير التعليم، ولم يعرف قطاع التربية أسلوب التخطيط أو يعتمد عليه إلا في سنة 1954 م عندما دعيت لجنة دولية تبحث في التعليم الثانوي من حيث مشاكله وأسباب هبوط مستوياته . وتقدمت اللجنة بتوصيات تطرقت فيها إلى معظم مشاكل التعليم العام وأوصت بتعديل المناهج ، وتطوير أساليب تدريب المعلمين وغيره من المسائل التربوية (3-8) . وقد مهدت توصيات هذه اللجنة للجنة التخطيط الشامل التي كونت برئاسة خبير اليونسكو (عكراوي) عام 1958م التي قامت بصياغة أهداف التربية لأول مرة في أسلوب أخذت فيه ظروف المجتمع السوداني واحتياجات مرحلة ما بعد الاستقلال .
تطور المناهج في العهد الوطني :
بعد أن نال السودان استقلاله تولى أمر تطوير المناهج نخبة من التربويين السودانيين ، وبذلك تغيرت كثير من المفاهيم والأسس التي كانت قائمة قبل الاستقلال ، ومن أهمها أن كل ما يتعلق بالقيم والموروثات الحضارية للمجتمع السوداني أصبحت واضحة بالنسبة لمخطط المنهج ولا تحتاج إلى تجارب وجدل .
وقد تميز مخطط المناهج في العهد الوطني بمعرفته للظروف البيئية والثقافية والإمكانات المادية للقطر ؛ لذلك كان لا بد من تغيير الأسلوب الذي كان متبعاً في إعداد المنهج ، وقد اقتضت الضرورة أن يتم التغيير تدريجياً . وأهم تغيير طرأ على هذا الأسلوب هو البدء في إعداد المناهج بتحديد قائمة من الأهداف التربوية أولاً، ثم الاتفاق على موضوعات ومحتويات المنهج الذي يحقق هذه الأهداف ، ولكن عند تطبيق هذا المنحى لم يحالف القائمين على أمر المناهج التوفيق في تطبيقه بالصورة المطلوبة ، فلا زالت الطريقة القديمة عالقة بالأذهان مما جعل هناك فجوة كبيرة بين الأهداف التربوية المعلنة وبين محتويات المنهج .
وقد كانت أهم محاولة لتطوير المناهج وتأصيلها بعد الاستقلال تتركز في لغة التدريس ، إذ اعتمدت اللغة العربية في عام 1964م لغة تدريس لكل المواد في المرحلة الثانوية ، وتقرر كذلك أن تكون مادة التربية الإسلامية مادة إلزامية في امتحان الشهادة الثانوية .
وفي عام (1969ـ1970م) حدث تغيير جذري في أسلوب تطوير المناهج ؛ إذ استحدث أسلوب عقد المؤتمرات القومية لتحديد التوجه والأهداف التربوية التي يسير التعليم على هديها، واعتمد التوجه القومي العربي ليحكم مسار التعليم في السودان ، وقد كان هذا التغيير منطقياً ومتوافقاً مع طبيعة المرحلة ؛ فقد كان العالم يسيطر عليه معسكران الغربي والشرقي ، أما العالم العربي فقد كانت القومية العربية تسيطر على الساحة السياسية والتربوية والفكرية . ووجد مخططو المناهج أنفسهم أمام ثلاثة خيارات لتغيير المنهج وتطويره ، فإما أن يتجه التعليم بفلسفته وأهدافه ليكون تعليماً اشتراكياً صرفاً تابعاً للمعسكر الاشتراكي بقبضته الديكتاتورية ، وتوجهه الإلحادي . وإما أن يتجه نحو الغرب فيكون تعليماً رأسمالياً ديمقراطياً ، يعطي مساحة واسعة للحرية الفردية وحرية الاختيار، وإما أن يكون تعليماً قومياً عربياً تفرد فيه مساحة واسعة للاعتداد بالقومية العربية وغرس مبادئها وقيمها في النشء .
وقد اقتضى المنطق وظروف تلك المرحلة أن يتجه التعليم نحو القومية العربية بمبادئها وأفكارها التي كانت تملأ الساحة الفكرية في ذلك الزمان ، وقد انعكس ذلك بصورة واضحة في مناهج الجغرافيا والتاريخ في المرحلة الثانوية .
ولعل أهم ما يميز التغيير الذي حدث في عام 1970م هو ظهور السلم التعليمي (6ـ 3ـ 3) ووضع أهداف تربوية واضحة تتفق مع توجهات الأمة واحتياجاتها . كما وضعت أهداف المراحل التعليمية الثلاث وأهداف المواد الدراسية المختلفة .
وحدثت بعض التعديلات في مناهج المرحلة الابتدائية ، كمناهج العلوم والرياضيات ولم يواكب هذا التغيير تغيير مماثل في مناهج المرحلة الثانوية إذ اقتصر التغيير في هذه المرحلة على مواد العلوم الإنسانية مع إدخال مواد جديدة تم إلغائها لاحقاً .
وظلت الفجوة بين الأهداف التربوية المعلنة ومفردات المواد الدراسية قائمة تتسع وتضيق بين مادة دراسية وأخرى ، وبين فترة وأخرى ؛ نسبة لغياب استراتيجية تربوية واضحة وملزمة ؛ فقد كانت السياسات التربوية والتعليمية توضع وفقاً لأهواء الوزراء الذين تعاقبوا على وزارة التربية والتعليم في تلك الفترة، فتضاربت السياسات التربوية ، وتخبطت وانعكس ذلك سلباً على المناهج الدراسية فتخلفت عن مناهج الدول الأخرى ، وتعالت الصيحات هنا وهناك لتغيير المناهج لتواكب التغيرات التي تحدث في العالم سياسياً واقتصادياً واجتماعياً.
فقد ذهبت الاشتراكية إلى غير رجعة ، وذهبت القومية العربية غير مأسوف عليها، وبقي في الساحة التعليم الغربي الرأسمالي العلماني في مقابل التعليم الإسلامي المرتبط بإرث الأمة ومعتقداتها . فإما أن نأخذ بالتعليم الغربي بأفكاره الدخيلة وإباحيته وإمّا أن نأخذ بالتعليم الإسلامي بتوافقه مع قيمنا ومثلنا وإرثنا التربوي .
ولعل من الواضح إن المنطق الحضاري يقتضي بالضرورة من المخططين أن يأخذوا بالتوجه الإسلامي وليس بالتوجه القومي العربي أو الغربي الرأسمالي .
وهذا ما حدث في مؤتمر سياسات التعليم عام 1990م والذي أوصى بتغيير مناهج التعليم العام (4) وقد كان هذا التغيير المقترح منطقياً ومقبولاً ومنسجماً مع مقتضيات الحال في هذه المرحلة .
وكان لا بد للتغيير أن يرتبط بحاجات المجتمع ، والمتغيرات التي تحدث في العالم من حولنا ؛ لذلك جاءت أهداف التربية السودانية لتشمل كل تلك المتغيرات ، فاحتوت - بالإضافة للأهداف التقليدية - على أهداف تدعو إلى الاعتماد على الذات وتفجير الطاقات ، وتشجيع الإبداع ، وإتاحة فرص التدريب على وسائل التقنية الحديثة، وتنمية الوعي بالبيئة ، وحسن توظيفها لصالح حياة الإنسان (5) .

تطور منهج التعليم الأساسي :
وفقاً لتوصيات مؤتمر سياسات التعليم عام 1990م رفع الحد الأدنى للتعليم الأساسي إلى 8 سنوات ومؤهل المعلم إلى مستوى الشهادة الجامعية .
وتم بناء منهج مرحلة التعليم الأساسي على أساس التكامل المعرفي بين المواد الدراسية التقليدية بحيث تذوب الحواجز بين الحقول المعرفية المختلفة عند معالجة موقف تعليمي معين ، مما يؤكد على ترابط المعرفة وتكاملها في الحياة الطبيعية .
فجاء المنهج في شكل محاور يعتمد على النشاط والخبرة ، ويبتعد عن منهج المواد الدراسية المنفصلة . وقد تم إعداده في خمسة محاور : الدين ، واللغة ، والرياضيات ، والإنسان والكون ، ومحور الفنون التعبيرية والتطبيقية . وعولجت الأحداث والعلاقات الإنسانية من خلال أثر أهل السودان فيها وتأثرهم بها ، كما تم استيعاب التجديدات التربوية ، التي ظهرت حديثاً في مجال المناهج مثل التربية السكانية والصحية والبيئية .
ووزع المنهج على ثلاث حلقات ، الحلقة الأولى من الصف الأول إلى الثالث ، وهي مرحلة التمييز ، وهدفها التكيف مع النفس والبيئة الأسرية والمدرسة، والحلقة الثانية من الصف الرابع إلى السادس وهي مرحلة الرشد وهدفها التكيف مع البيئة المحيطة والمجتمع ، أما الحلقة الثالثة فهي مرحلة التكليف ، وهدفها التفاعل الإيجابي مع المجتمع والبيئة والحياة .

تطور منهج التعليم الثانوي :
تم إعداد منهج التعليم الثانوي بناءً على المعلومات والمهارات والقدرات التي اكتسبها التلميذ في مرحلة التعليم الأساسي ، وهي تشكل امتداداً ومواصلة لإعداد طالب له القدرة على اختيار مجال تخصصه أو مهنته في المستقبل .
ووفقاً لطبيعة المعرفة المتخصصة في المرحلة الثانوية ، فقد تم تبني منهج المواد الدراسية المنفصلة ، مع مراعاة تكامل مفردات المنهج لتمليك الطالب قدراً مناسباً من أساسيات العلوم المختلفة تساعده على اكتشاف ميوله وقدراته ؛ وبذلك يصبح في موقف متميز لاتخاذ القرار المناسب قبل اختيار الدراسة المتخصصة أو التدريب التقني الذي يتوافق مع ميوله وقدراته ويؤهله لسوق العمل .
وقد روعي في منهج التعليم الثانوي أن يشتمل على قدر معقول من المواد الأكاديمية والفنية والدينية التي كانت تدرس في المساقات المختلفة ، وأعد بصورة تمكن الطلاب من اكتساب قدر مناسب من الثقافة العامة الضرورية لكل مواطن .
يبدأ التخصص في الصف الثالث ، حيث تتاح الفرصة للطالب ـ الذي تمكن من اكتشاف ميوله وقدراته ـ لاختيار عدد من المواد الدراسية ، بالإضافة لبعض المواد الإلزامية كمطلوبات أساسية لامتحان الشهادة الثانوية ليكون مؤهلاً للقبول في مؤسسات التعليم العالي أو أن ينال قدراً مناسباً من التدريب التقني أو الحرفي أو المهني للانخراط في مهنة معينة وفقاً للحاجات المتغيرة لسوق العمل .

التحديات التي تقابل واضعي المناهج:
التحدي الأول - تغيّر المعرفة وتطورها في كل المجالات:
يميز هذا العصر عن العصور السابقة التطور الكبير والمذهل في مجالات العلوم واستخدام التقانة والتكنولوجيا ، والانفجار المعرفي غير المسبوق ، والإيقاع السريع للتغير في كل المجالات العلمية والاقتصادية والاجتماعية ، إمام كل هذه المتغيرات كان لزاماً على واضع المنهج أن يستجيب لمطالب جديدة ومتنوعة . وقد توصلت التجربة التربوية الحديثة إلى أن الصيغ التعليمية الجامدة لم تعد تواكب روح العصر، فلذلك كان لا بد من إعادة النظر على نحو جذري في بنية التعليم ومحتواه ليكون شديد المرونة سريع التكيف مع المواقف الجديدة . وهذا يقتضي بالضرورة من واضع المنهج أن يعيد النظر في كثير من الثوابت السابقة .
فهل يركز المنهج على اكتساب المعرفة ، أم يركز على المفاهيم والمهارات؟ وهل يركز على الحفظ والاستيعاب ، أم على التحليل والتطبيق ؟ وهل يركز على العمل اليدوي ، أم الحرفي ، أم التقني ؟
إن تكاثر المعرفة الإنسانية وتغيرها المستمر لا يشجع على الأخذ بنزعة موسوعية في التعليم ؛ لأن مثل هذه النزعة مستحيلة وغير ممكنة التحقيق . ولن تستطيع أي معرفة موسوعية أن تزود الطلاب ولو بقدر ضئيل من المعرفة الإنسانية المتطورة .
لذلك ينبغي لواضع المنهج أن يعمل في اتجاهات ثلاث:
الاتجاه الأول : التركيز على تنمية الحواس والمنافذ التي يتلقى عن طريقها الطلاب المعرفة ، وتدريبهم على استخدامها في المراحل الأولى من التعليم حتى يكونوا قادرين على استخدامها لتلقي المعرفة بقيادة المعلم أو بدونه ، ومن ثم مساعدتهم على اكتشاف ميولهم وقدراتهم .
الاتجاه الثاني: أن يساعد المنهج الطلاب على تحصيل المعرفة من المصادر المختلفة فيعمل على إكسابهم القدرات والمهارات اللازمة في البحث عن المعرفة من المراجع والموسوعات العلمية وتدريبهم على استخدام المكتبات بصورها التقليدية والحديثة ، وإكسابهم القدرة على التعامل مع وسائل التقنية الحديثة التي تعمل على حفظ المعلومات مثل الحواسيب ، وشبكة الإنترنت ، وترسيخ مبدإ التعلم الذاتي في الطلاب لمواجهة التغير السريع في المعرفة .
أما الاتجاه الثالث: فيركز على التعامل الإيجابي مع المعرفة المكتسبة باستخدامها والإفادة منها في شتى المجالات ، والعمل على ترقيتها وتطويرها واستخدامها في حل المشكلات الآنية والمستقبلية .
التحدي الثاني - الغزو الثقافي الأجنبي:
لعله من مميزات هذا العصر أن المدرسة لم تعد هي المكان الوحيد الذي يتلقى فيه التلميذ المعرفة ؛ فقد ظهرت وسائط أخرى للمعرفة غير المدرسة . وتستخدم تلك الوسائط وسائل متنوعة ومشوقة لجذب الطلاب لها فتزودهم بمعلومات وأفكار دخيلة على المجتمع المسلم ، وتقدم للشباب شتى أنواع الإغراءات ليتخلى عن قيمه ومثله وأخلاقه وثروته الفكرية والروحية مستخدمة في ذلك آلة إعلامية ضخمة .
لذلك كان لا بد للمنهج المدرسي أن يقف سداً منيعاً أمام هذا الغزو بأشكاله وأنواعه المختلفة ؛ فيعمل على تحصين الطلاب من الضياع في أجواء الثقافة الأجنبية الوافدة ، وأن يحميه من التبعية الثقافية وما يترتب على ذلك من تقليد أعمى في أساليب الحياة ومن ظهور ازدواجية مقيته تتأرجح بين الأصالة والاغتراب . والدين الإسلامي بثقافته المرنة وصلاحيته لكل زمان ومكان قادر على القيام بدور التحصين والحماية ، وعليه ينبغي للمنهج المدرسي أن يهتم بتبصير الطلاب بتعاليم الدين الإسلامي وتراثه ، وتربيتهم على هديه وغرس العقيدة السليمة والأخلاق الحميدة فيهم . فينهل الطلاب من معين الإسلام الذي لا ينضب فينتقل بهم المنهج من مرحلة الحماية والتحصين إلى مرحلة حمل الثقافة الإسلامية والدفاع عنها والدعوة لها .
التحدي الثالث - اتساع السودان وتباين الأعراق والثقافات فيه :
السودان قطر مترامي الأطراف ، يعيش أهله في رقعة جغرافية واسعة ، وينفرد مناخه بتباين كبير يتأرجح بين المناخ الصحراوي الجاف والاستوائي الممطر ، وتختلف فيه الثقافات ، واللهجات ، والعادات ، والتقاليد ، وتتباين فيه الأعراق والأجناس .
هذا المزيج غير المتجانس يخلق صعوبة كبيرة في وضع منهج قومي لكل أبناء السودان يتلاءم مع البيئات المختلفة ، وينسجم مع الثقافات والأعراق والأجناس المتباينة .
لذلك كان لزاماً على واضع المنهج توخي الحذر فيما يختاره من موضوعات ومفردات ، وفيما يضعه من أهداف وفيما يعرضه في الكتب المنهجية من صور وأشكال توضيحية .
والمنهج بهذه الصورة - مهما بذل فيه من جهد وحشدت له من إمكانيات - لا يستطيع أن يتوافق مع كل تلك المتغيرات إلا إذا كان منفذ المنهج معلماً مدرباً متمرساً له القدرة على تحوير وتوظيف المواقف التعليمية المختلفة لتتلاءم مع بيئة التلاميذ وحاجاتهم .
لذلك لا بد من تدريب المعلم وتأهيله ليتعامل مع كل المتغيرات التي تواجهه في مختلف البيئات . ولا بد من تزويده بالمعارف والمهارات التي تؤهله ليتعرّف تلاميذه ويتعامل معهم وفقاً لخلفياتهم الثقافية وعاداتهم وتقاليدهم ووفقاً لقدراتهم واستعداداتهم .
التحدي الرابع - قلة الدراسات عن الطفل السوداني :
واضع المنهج يحتاج للتزود بمعلومات وافرة عن الدراسات التربوية والنفسية التي أجريت على المتعلم الذي يقوم بوضع المنهج له . وفي غياب مثل هذه المعلومات يجد واضع المنهج صعوبة كبيرة في وضع منهج يراعى النواحي النفسية والعقلية والانفعالية للطلاب ويجد صعوبة في التدرج معهم وفقاً لمطلوبات نموهم وقدراتهم العقلية ويتعثر في الاستجابة لمطالبهم وحاجاتهم الآنية .
ولتجاوز هذه الصعوبات فقد درج واضعو المنهج على الاستفادة القصوى من التراث التربوي الذي توافر في مجال إعداد المناهج وتطويرها خلال الحقب السابقة ، والاعتماد على الخبرات المتنوعة التي اكتسبها العاملون في مجال المناهج والمعلمون الذين تعاقبوا على بخت الرضا وأرسو أسساً وتقاليد ثرة في مجال تطوير المناهج وتأليف الكتب والمراشد ، كما استعانوا بعدد مقدر من أساتذة الجامعات الذين لهم خبرة ، في مجال تأليف الكتب المنهجية .
كل هذه المحاولات لتعرف الطفل السوداني ، ووضع منهج يتوافق مع طبيعته لا يغني عن العمل الجاد لإجراء دراسات تربوية ونفسية تتبع المنهج العلمي للوصول إلى نتائج موثوق بها عن الطفل السوداني ، ليهتدي بها واضعو المنهج في تحديد أهدافهم ووضع مفرداتهم وتأليف كتبهم المنهجية .
التحدي الخامس - تقويم المنهج:
إن قضية تقويم المنهج من القضايا الشائكة التي صاحبتها اوجه قصور وتعقيدات شتى ؛ فالأساليب التي استخدمت في السابق يعتورها الكثير من الضعف لذلك لم يكن لها أثر مباشر على تطوير المناهج وتنقيح الكتب المنهجية .
وقد اتضح للقائمين على أمر المناهج أن التقويم النهائي للمنهج قد لا يؤدى إلى نتائج عملية يمكن الاستفادة منها في تعديل المنهج - وتنقيحه ؛ ذلك لأن هذا النوع من التقويم يحتاج لفترة زمنية طويلة لتمكين المقومين من الوقوف على كل جوانب المنهج لإصدار حكم نهائي عليه .
ومن التربويين من يدعو إلى تجربة المناهج - قبل تعميمها على المدارس ومن خلال التجربة يتم التقويم .
والمتتبع لأدبيات تقويم المناهج يجد أن الأسلوبين السابقين لا يجدان حظاً من التطبيق نسبة لطبيعتها السلحفائية التي لا تتماشى مع الانفجار المعرفي غير المسبوق ، وللطبيعة المتغيرة للمعرفة في الألفية الثالثة إضافة عن الضرر الذي يصيب التلاميذ موضع التقويم والتجربة .
لذلك كان لا بد من استخدام طريقة عملية تتسم بالدقة والسرعة في الإجراء ولهذا لجأ المقّومون إلى استخدام أسلوب التقويم التطويري (البنائي) وهذا أسلوب يمتاز بالمرونة والاستمرارية ويساعد على تدارك الخلل في المنهج قبل استفحاله كما يساعد على إجراء إصلاحات جزئية أو مراجعة شاملة على فترات زمنية مختلفة . ويحاول المركز القومي للمناهج والبحث التربوي أتباع هذا الأسلوب لتقويم المنهج وتطويره .

خاتمة :
إن مهمة تطوير المناهج وتقويمها التي يضطلع بها المركز القومي للمناهج والبحث التربوي لمهمة جد عسيرة ؛ تتطلب توافر الامكانات والأطر البشرية المؤهلة وتضافر الجهود وتكاملها بين التربويين والمعلمين والإدارات التربوية بمختلف تخصصاتها .
لذلك فإن من الأهداف المهمة لهذا المركز هو فتح قنوات اتصال دائمة بينه وبين المعلمين ، وأولياء أمور الطلاب ، والتربويين ، ومراكز البحث ، والعلماء للتدارس والتفاكر وأخذ الرأي في كل الأمور التي تؤدي إلى بناء منهج مرن متطور يأخذ بعين الاعتبار كل المتغيرات المعرفية والتربوية والنفسية والثقافية التي تؤثر على تحصيل الطلاب .
المراجع :
1- أ.د عمر حاج الزاكي ، (2001م). تطور أساليب الكتابة في الحضارات السودانية ، مجلة دراسات تربوية ، العدد الرابع (السنة الثانية) ، ص13ـ23.
2- الأستاذ/ عبد الله حامد ، (1993م) . معلم التربية الإسلامية وشيخ الدين التقليدي ، ندوة مادة التربية الإسلامية ، جامعة أفريقيا العالمية ص 239 ـ262.
3- وزارة التربية جمهورية السودان الديمقراطية (1977م) ، التربية السودانية ، تقويم واستراتيجية عمل ، تقرير نتائج دراسات المسح العام لقطاع التربية .
4- وزارة التربية والتعليم ، الجهاز القومي لتطوير المناهج والبحث التربوي ، بخت الرضا (1990م) ، مؤتمر سياسات التربية ، الخرطوم دار الحكمة للطباعة والنشر .
5- وزارة التربية جمهورية السودان الديمقراطية (1995) المنهج المقترح لمرحلة الأساس ، الجهاز القومي لتطوير المناهج والبحث التربوي بخت الرضا.
6- سلمان علي سلمان ، تقويم المناهج الدراسية في السودان ، ورقة عمل .

 




© المركز القومي للمناهج و البحث التربوي.
شروط الاستخدام